عند شدة الأقدار: أخفِ ساعتك

تحمّلك وصبرك وثباتك الذي تتمسك به على مدار السنوات، مكتوب ومقدر، وليس دليلًا على أن الأمر قد فات أو لا سبيل إلى النجاة.

فلا تنظر إلى السنوات التي مرت في هذه الشدة وكأنها هي المعيار الثابت للنجاة. يظن البعض أن معيار تحمّل الأقدار يكمن في الانتظار، وقد يقول: لقد انتظرت خمس سنوات حتى الآن.

لكن السنوات مقدرة بتقدير مرتب ودقيق، ولو اطّلعت على الغيب لرأيت عجبًا من العجاب.

لذلك قد يعتقد البعض أن الأمور تعسرت لأنها طالت، ولا يعلمون أن كل سنة هي مفصلية في حياتك كلها، وهي ليست اختبارًا لشقائك أو لزيادة همومك، كما تشعر أو تظن.

في هذا المقال سأشير عليك بأمور، لا بد من استيعابها وإدراكها في هذا الطريق، واطمئن، فمقدار وعيك الآن ليس صدفة، ولا أن الأمور تظهر فجأة، فالله لطيف بك، يهيئ لك الأمور ويدبرها من السماء، وتأتيك لطائف ومبشرات بعدها لتهيئتك للفرج وتغيير الحال بإذن الرحمن.

تأمل معي هذا:

النظر إلى مقدار السنوات، أو حتى التفكر فيها، ليس صحيًا لنفسك ولا لقلبك. بعض الأمور والنصيب والأقدار تُجلب بكثرة الدعاء، وبعضها يُستجاب من كرم الله، فإنك طلبت القدر، والله قد يريد لك أن تستقبله وأنت في أفضل أحوال وعيك وإدراكك وهدوئك النفسي. فتجد أنه يهيئ لك بعض السنوات، وتشعر أنها كانت سنوات هادئة في حياتك، وحتى الداخلون إلى حياتك كانوا قلة في تلك الأعوام.

ويقول بعضهم: إن بعض السنوات الشدة في حياة المرء كأنها كتاب انتُزعت منه بعض الفصول، تقلبه فلا تجد هذا الفصل من الكتاب. وهذا من قلة إحسان ظن المرء بالله؛ لأن الأمور ليست كما يظنون. فالتدبير لا يكون في الأرض داخل العقول، إنما يكون من السماء، ممزوجًا برحمة واسعة ولطف كبير من الله.

لنرجع إلى هذه السنوات التي تسبق الفرج، تجد أن الله يصرف عنك كثيرًا من الأمور والصوارف، وتجد أن تلك السنوات كانت فعلًا هادئة، دون إنجازات، ولا حولك أحد من الناس، وقد تسميها سنوات الانتظار. لكن الله هذبك كثيرًا فيها، وبدل مفاهيم عديدة كانت داخل عقلك، وقربك إليه، وفتح عليك العلم به وبحكمته وكيف يدبر الأمر من السماء. لقد فتح عليك بابًا لم يدخله كثير من الناس، لكن الله منّ عليك بهذا الباب. وقد تسمي ذلك حكمة أو بصيرة أو إدراكًا أو وعيًا، والكثير مما فهمته الآن، لكن ثق ثقة كبيرة أن تلك السنوات لم تكن منزوعة من الكتاب.

البعض يريد أمورًا عديدة، وهي من الحلال، ولا عيب فيها ولا حرج، لكن بمجرد أن تتجول هذه الأمور في خاطره، يعتقد أنها بعيدة جدًا وأقرب إلى الخيال، ويقول: ما دمت الآن أصبر، وتلك السنوات قد مضت حتى تأتيني الهبات، فكيف بهذه؟ قد تكلفني الكثير والكثير من السنوات. 

وهنا خطأ يقع فيه كثير من الناس؛ إذ يشعر أن كل شيء يريده أو تتوق إليه نفسه يحتاج إلى الكثير من السنوات، بناءً على ابتلائه الماضي وشدته التي مرت في حياته. ولا يكمن هذا الاعتقاد في عقله إلا لأنه جعل معيار السنوات هو الدليل على نيل الغايات في الحياة.

إذن، تفكر في بعض رغباتك وأمنياتك؛ فبعضها قد يكون قريبًا منك جدًا، بضع شهور أو أقل من سنة، لو تفكرنا بالحساب. وقد تأتيك الهبات كثيرة، ولم تطلبها حتى في سنة من السنوات، وقد تقول: كرم الله كبير، فلم أطلب هذا بالدعاء. إنما الله منّ عليك بكثير من الأرزاق، لم تكلفك سنوات من الانتظار، ولا حتى الإلهام.

وأيضًا، لا بد أن لا تنظر إلى ساعتك، وأخفِها على الدوام؛ لأن بعض الأقدار التي دعوت بها قد لا يكون الله قدّرها لك. وهذا أمر لا يحزن عليه المؤمن؛ لأن الله جل جلاله محال أن يمنعك من باب، أو يصرفه عنك لحكمة لا يعلمها إلا هو، إلا ويعوضك خيرًا منه. ولو خيروك بينهما لقلت: أريد العوض، وسأنسى ما فات. لأن عوض الله ليس من البشر، إنما هو عظيم بقدرته، وثقيل في الميزان.

ولأوضح لك المعنى أكثر: قد تريد أمرًا بشدة، لكن جماله وخيره يكمنان في مرحلة الشباب فقط، ثم تختفي روعته عندما تبلغ من العمر بضع سنوات، لكن الله شاء أن يعطيك أعظم مما سألت، ويعطيك خيرًا محفوظًا طيلة عمرك حتى مماتك. لذلك أحسن الظن بالله كثيرًا، وأكثر مما مضى في حياتك كلها.

الحياة لا تُقاس بالسنوات، وتذكر أن ما مضى من سنواتك كان خيرًا كبيرًا في دنياك، ولا يحتاج منك الوقوف والنظر إلى الخلف كلما طاب لك المزاج ورقّ، حتى تتكدر وتغتم. تذكر أن أمورًا قد تنزل من السماء لا تحتاج إلى الكثير من السنوات، بل أمورًا يكفيها الله لمن يشاء، ومتى شاء، ولا تكلفك الانتظار ولا حتى الوقوف على المحطات.

أخيرًا.. كل ما عليك أن تجعل الدعاء دائمًا في النهار حتى المساء، لا تنقطع عنه، ولا تشعر أن الرجاء إلى الله يكمن في مواسم العبادات، كلا. إنما لديك أوقات كثيرة في أطراف يومك (بين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات؛ أي قبل السلام، والثلث الأخير من الليل). اطلب من الله ما تريده، وما تتوق إليه نفسك كثيرًا، دون التفاصيل، ولا تعتقد أن جميع غاياتك وأهدافك ستأتيك بعد سنوات من الانتظار.

فالله قد يهيئ لك تلك السنوات الماضية فقط كي تتعلم وتهذب، وليزيد إيمانك، ويوقره داخل قلبك، ويمتد جذوره، وتكون راسخة قوية، لا تهزها الفتن ولا تقلبات الأيام، حتى تخشع معك جوارحك بالحال.

لذلك فهمت المعنى، وزاد إدراكك أكثر، وعلمت أن السنوات حكمة عظيمة من الله، وليست ثابتة على مدار حياتك، ولا على جميع فصول كتابك.

سبحانه كريم لطيف، إليه نرجو، وإليه يطيب لنا الطريق.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى